الشيخ محمد رشيد رضا

86

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في العذراء المخدرة ، وأما الرجل فهو أحق من أبيه بتزويج نفسه إجماعا وليس لأبيه ولاية عليه في ذلك فكيف يتحكم الوالد في ولده بما لا يحكم به الشرع ولا ترضى به الفطرة ، أليس هذا من ظلم الاستعلاء الذي يوهم الرجل ان ابنه كعبده ، يجب ان لا يكون له معه رأي ولا اختيار في أمره ، لا في حاضره ولا في مستقبله الذي يكون عليه بعده ، وان كان الوالد جاهلا بليدا ، والولد عالما رشيدا ، وعاقلا حكيما ؟ ، والويل كل الويل للولد إذا كان والده الجهول الظلوم غنيا ، وكان هو معوزا فقيرا ، فان والده يدلّ عليه حينئذ بسلطتين ، ويحاربه بسلاحين ، لا يهولنك أيها السعيد بالأبوين الرحيمين ما أذكر من ظلم بعض الوالدين الجاهلين القساة فاني اعلم من امر الناس ما لا تعلم ، اني لأعرف ما لا تعرف من أخبار الأمهات اللواتي تحكمن في أمر زواج بناتهن أو أبنائهن تحكما كان سبب المرض القتال ، والداء العضال ، فالموت الزؤام ، ثم ندمن ندامة الكسعي ولات ساعة مندم ، ولعلك تعلم أن تحكم الآباء في ذلك أشد وأضر ، وأدهى وأمر ، على أنه أكثر ومن ضروب ظلم الوالدين الجاهلين للولد العاقل الرشيد منعه من استعمال مواهبه في ترقية نفسه في العلوم والاعمال ، ولا سيما إذا توقف ذلك على السفر والترحال ، والأمثلة والشواهد على هذا كثيرة جدا في كل زمان ومكان ، وأول ما خطر في بالي منها عند الكتابة الآن اثنان : شاب عاشق للعلم كان أبوه يمنعه منه ليشتغل بالتجارة التي ينفر منها لتوجه استعداده إلى العلم ، ففر من بلده إلى قطر آخر ثم إلى قطر آخر ، يركب الأهوال ، ويصارع أنواء البحار ، ويعجم عود الذل والضر ، ويذوق طعوم الجوع والفقر ، ورجل دعي إلى دار خير من داره ، وقرار اشرف من قراره . ورزق أوسع من رزقه ، في عمل أفضل من عمله ، وأمل في الكمال أعلى من سابق أمله ، ورجاء في ثواب اللّه أعظم من رجائه ، فاستشرفت له نفسه ، واطمأن به قلبه ، ولكن والدته منعته ان يجيب الدعوة ، ويقبل النعمة ، لا حبا فيه ، فإنها لا تستطيع ان تماري في أن ذلك خير له ، ولكن حبا في نفسها ، وايثارا للذتها وأنسها ، نعم ان العجوز ألفت بيتها ومن تعاشر في بلدها من الأهل والجيران ، فآثرت لذة البيئة الدنيا لنفسها ، على المنفعة العليا لولدها ، ولعله لو اختار الظعن